محمود الكازروني ( قطب الدين محمود الشيرازي )
306
شرح حكمة الاشراق
وإذا كان كذلك ، فلا بدّ من جهتين في ذاته للاقتضائين المختلفين . وهو محال ، لأنّ جهتي الاقتضائين ، إمّا أن تكونا لازمتين له ، أو مقوّمتين ، أو الواحدة منهما مقوّمة والأخرى لازمة ، وعلى التّقديرات ، يلزم تركّب ذات الواحد الحقيقىّ . أمّا على الثّانى والثّالث ، فواضح . وأمّا على الأوّل ، فعلود الكلام إلى الّلازمين أنّهما لا يصدران عن الواحد الحقيقىّ إلّا من جهتين مختلفين أيضا ، فإمّا أن يتسلسل ذلك إلى غير النّهاية ، وهو محال ، كما علمت أو ينتهى إلى جهتين هما من مقوّماته . فذاته ، فذات نور الأنوار الّذى هو الواحد الحقيقىّ ، تصير مركّبة ممّا يوجب النّور ويوجب الظّلمة ، وقد تبيّن لك استحالته ، لكون ذاته بسيطة ، لا تركيب فيها بوجه مّا أصلا . ولمّا استحال ( 154 ) أن يحصل من نور الأنوار ظلمة بلا توسّط نور ، لأنّ الممكن الأخس لا يوجد إلّا والممكن الأشرف قد وجد أوّلا ، لما سيجئ تحقيقه في هذه المقالة ، أضرب عن هذا الدّليل ، مشيرا إلى دليل آخر أعمّ تناولا من الأوّل ، بقوله : بل الظّلمات لا تحصل منه [ من نور الأنوار ] بغير وسط . وإذا كان كذلك فيستحيل أن يوجد منه نور وغير نور ، وأن يوجد منه ظلمتان أيضا . ثمّ أشار إلى دليل آخر ، بقوله : وأيضا النّور من حيث هو نور إن اقتضى ، فلا يقتضى غير النّور ؛ على ما يشهد به الفطرة الصّحيحة ، فيمتنع أن يوجد من نور الأنوار نور وغير نور وظلمتان ، كما ذكرنا . ولمّا كان المطلوب بيان امتناع صدور شيئين منه مطلقا ، ودلّ الدّليل الأوّل على امتناع صدور النّور والظّلمة ، والثّانى والثّالث على امتناع صدورهما وصدور ظلمتين أيضا ؛ استدلّ على امتناع صدور نورين بقوله : ولا يحصل منه [ أي من نور الأنوار ] نوران ، فإنّ أحدهما غير الآخر ، إذ لو كان عينه ، لما كان الصّادر شيئين ، بل شيئا واحدا ، فاقتضاء أحدهما غير اقتضاء الآخر ، ولأنّ اختلاف الاقتضاء يدلّ على اختلاف جهة الاقتضاء ، كما سبق تقريره ،